عبد المنعم النمر

65

علم التفسير

له ضربا حتى دمى رأسه . فقال : يا أمير المؤمنين حسبك . قد ذهب الذي أجد في رأسي . . . وهذه الرواية وتلك لهما دلالتهما في موضوعنا . . ولا سيما في قول عمر للرجل يؤنبه : تسأل محدثة ؟ أي أتثير بين الناس أمرا جديدا لم يتعودوه قبل ذلك ؟ وهو السؤال عن معنى قوله تعالى « وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً » . . ونحوهما . مما يدل على أن مثل هذه الأسئلة لم يكن من المعتاد أن يسألها الصحابة في زمن الرسول ، وحتى عهد عمر . . بل كانوا يعتبرونها تكلفا يثير الشبهة . . . وفي الاهتمام بإرسال الرجل من مصر إلى المدينة ، وضرب عمر له ، ثم في أمره لأبى موسى بعزله عن المسلمين ، ما يعطينا دلالة قوية على سوء النظرة في ذلك الوقت ، إلى كل من يثير مثل هذه الأسئلة . . ودلالة على مقدار حرص عمر وولاته ، على تجنيب المسلمين الاشتغال بمعانى المرسلات والعاصفات ونحوهما ، مما يعدونه متشابها ، محافظة على النهج الذي كان في عهد الرسول وخليفته أبى بكر ، ولذلك أنكر عليه مسلكه وقال له : أتسأل محدثة ؟ لأنه يحدث في الوسط الإسلامي ما لم يتعوده . . ولهذا أيضا نجد الإمام مالك يقول في الرد على من يسأله عن معنى ( الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى ) ، الاستواء معلوم ، والكيف مجهول ، والسؤال عنه بدعة . وحينئذ لا بد أن يرد على ذهن القارئ سؤال : كيف إذن كانوا يفهمون مثل هذا ؟ وجواب هذا . . أنهم كانوا يكتفون بالمعنى الإجمالي ، وما يفيده السياق في مثل هذه الأمور وغيرها ، مما لا يتعلق بها حكم تكليفي محدد . فمثلا . . القسم بالمرسلات وما بعدها من العاصفات والناشرات والفارقات . . يفهمون أنها أشياء عظيمة ، يقسم الله بها على أمر مهم ، وهو : البعث . . لا يهمهم المراد بالعاصفات . كما عنى بها من بعدهم وقالوا : الرياح ، أو الملائكة ، ولم يتفقوا على رأى ، لأنهم يجتهدون في بيان المراد ، ولكل اجتهاده . فكان الصحابة لا يخوضون في بيان المراد تحديدا ، بل يرون أن ذلك تكلف لا يصح الاشتغال به ، ما دام المعنى الكلى مفهوما ، وليس هناك ما يوجب فهم المراد بالمفردات . .